Public Eyes

My Journey In Their Eyes


فنانو الحرب... مُشرَّدو الحرب ولكن؟!

بيروت - دنيا الوطن - محمد مطاوع

صحيح أنَّ جوزيف ترتريان، وهوَ سوري أرمني، من كسَب، لم يتأهَّل إلى مرحلة النهائيات من برنامج آرابس غوت تالنت، لكنهُ قدَّم ما يُمتع المشاهد في برنامج، تتعدَّد فيه المواهب، ويُشكِّك البعض في بعضِها، هل هي موهبة أم مجرد قوة خارقة؟ أم شيء مُلفت فقط للإنتباه لمشاهدته مرة أو مرتين... صحيح أنَّ جوزيف كان ينتظر هذه الفرصة فعلاً، لكنهُ لم يوقف طريقهُ أبداً، وعادَ إلى دار الأوبرا السورية، وإلى حفلات دار الفنون وستديو التسجيل في دمشق. لأنَّ المشوار لا يتوقَّف، ولأنَّ كثير من الشُبّان السوريين أبوا أن يتوقَّفوا على الرَّغم من مآثم الحرب.

جوزيف غنّى "الصلاة" لـ سيلين ديون في آرابس غوت تالنت. ومع أنهُ نسيَ أن يُهدي الأٌغنية التي تحمل كل معاني السلام والإيمان، لـِ سورية، إلا أنَّ النسيان الذي تبوَّحَ عنهُ لي، لم يُغفل لأحد ممن فهموا كلمات الأُغنية الإنكليزيّة أنَّ الأُغنية لـ سورية.

ولكن هُناكَ مَن بحاجة لتذكير: نحنُ السوريون، كُل ما نفعلهُ نفعلهُ من أجلِ سورية. حتّى المُتحاربين، وباختلاف أطيافهم، وأوهامهم... الكُل يضع الهدف... سورية. أمَّا هدَف مَن يُحب البلد عن طريق الفن، فهوَ هدف صافٍ.

وسواء كانَ مؤيد أو مُعارض أو فريق ثالث، فإنَّ ما يفعلهُ الفنان من فن لأجلِ بلدِه، شيءٌ نبيل، ويستحق كُلَّ تقدير وتشجيع. لا يستحي (بعض) الفنانين المعروفين، من عدم تقديم الحفلات الخيرية، أو كلمة حُب أو سلام، أو كلمة "إنسان" في أُغنية، أو مبادرة، أو أي لفتة أُخرى... في حين أنَّ شُبّان مُهجَّرين ومُشرَّدين أحياناً، كُل ما يُريدون قولهُ... من أجلِ سورية.

يعجز الفنانون أحياناً، بانشغالاتهم الجاهزة، من أُغنيات عاطفية وغيرها. ويعجرُ آخرون، بانشغالات تجارة الأدوار، وملئ مكانٍ شاغر، لطالما أنَّ جزء من ممثلي سورية خرجوا منها... ينشغل الوسط الفني السوري ببعض أطيافه، والإعلامي بأكثر أطيافه عن الوجع السوري... باستثناء... الشُبّان الجُدُد سواء أصابوا أو خيَّبوا الآمال. والمسؤولية تقع دونَ شك على الجهاز الإعلامي السوري، الذي يتعامل مع الفن والإعلام في مرحلة الحرب، ضمن إطار تعبوي، يرفع المعنويات فقط. مع أنَّ كلمة الحُب والإخاء لا تهزم المعنويات!.. ومع أنَّ الوجع المجبول بالتفاؤل، هو حقيقة وتفريغ وإلقاء نظرة حقيقة على الواقع... حتى أُغنية شادي أسود "سورية موجوعة" اضطروه لأن يرسم لها جزءً ثانياً، فيه دائرة تفاؤل مُبالغ بها، فغنّى "سورية الموجوعة رح تمسح دموعها" وقال "راجعين نحضن وجع البيوت"... لِمَ ألغى "الوجع"؟ بهذه السرعة؟ حتى في أُغنية منعوه... وهُم ربّما أكثر المتوجّعين.. لِمَ لا نقول؟ كيف نرجع وكيفَ نتفاءل وكيفَ نبني ونقول بنينا، ونحنُ بخير، لطالما أننا لم نضع يدنا على الجرح؟ ولطالما أنَّ الحرب مُستمرة. لأنَّ الوجع مرتبط بمبادرات بعض الفنانين السوريين الشباب. تحدّثنا عنهُ.

والحقيقة أنَّ الإعلام السوري قاصر عن احتضان المواهب الجديدة التي تقول كلمة حق. فاختارَ لها الرحيل أو الهجرة أو الهروب. والفن السوري في هذه المرحلة هو فن الدراما المُعلّبة أحياناً، والمُتابِعة للواقع أحياناً... وأُخرى، كأنها مكتوبة منذُ سنوات. وإعلام الفقرات الصباحية المُتنوّعة. لا نُغفل حق الحياة أن تستمر، وحق مَن في الداخل، أن يشعر باستمرار حياته. لكن أينَ سورية من دور المُغنيين والموسيقيين ولا نُلقي بالحمل على الدراما فقط. لطالما أنَّ الفن هو المنفذ الوحيد للمواطن السوري، للتفريغ، لرؤية نفسه، لإعادة قراءة نفسه، للحلم، للوجع. لاَ... لـِ رفع المعنويات فقط، بإطار مُعلّب ومحدود وحفظناه عن ظهرِ قلب. في العام 2015، لا يُمكنكَ أن تُغني "نحنُ بخير"، وتُغنّي كمن تقول الليل والخيل والبيداء تعرفُني... في العام 2015، إنْ كان الفنانين المعروفين، لهم رسالة الإستمرار في فنِّهم، والإستمرارية أكبر رسالة... وإن كانوا قاصرين عن إنشاء جهاز إعلامي فني بديل، يوجِع ويؤلم ويقول الحقيقة، ويصرخ بوجهِ أي حقد أو وجع سوري... يصرخون لهُ... فالتعويل إذاً على الفنانين الُجدد. ما هوَ هامش حريتهم داخل سورية؟ ما هامش القول، أنَّ الفاسدين ينهشون لحمَ الشعب (المنهوش بالأصل)؟ وجوزيف ترتريان داخل سورية أو أي فنان شاب آخر... ماذا بإمكانه أن يقول أو يكتب وهو في سورية؟ كيفَ يقول أنّ الحقد كان مُغلّفاً ومُعلّباً وجاهزاً للخروج؟ كيفَ تصرخ الكوميديا الشابّة بوجه الفاسد والمواطن، تحكي واقعهُ؟ إلا إن لم تخرج من سورية وهُناكَ تقول؟ ونُعيد... ما يخرج في الحرب من فن قد يُصيب أو يُخيب.

فنانون سوريون شباب استحقوا لقب "فنان أزمة" و"فنان حرب" ومن الحرب خرجَ الإبداع. فاكتملَ مع جوزيف ترتريان، وغرَّدَ عالياً مع ريبال الخُضري، وتنقّلت ك فراشة ميسة الحافظ. ميسة الحافظ، فنانة سورية، موسيقية، تعزف البيانو والغيتار، وهيَ في كورال تُركي شهير. تنقّلت بسيارتها الحمراء الصغيرة، من "التل" في دمشق، إلى صيدا في لبنان، فـَ بيروت، فـ عكار، فالشوف... "شافت المُر"، ونامت في سيارتها لأيام. المشكلة الحقيقية أنَّ الجميع يتعامل معكَ في الحرب على أنَكَ إنسان سوي. ويُقارن بينكَ وبين "الشحّاذ" في الطريق... يراكَ مُبتمساً، أو تشرب كأساً من الكحول، فيقول هذا مُستثقف الأزمة!

وبالرغم من وجود هذه العيّنة، لكنَّ فنانين سوريين شباب حقيقيين غرّدوا مع أنهم يحملون الوجع الكبير. ميسة الحافظ، أبكاها لُبنان، لأنّها مرة ركنت سيارتها في شارع الحمرا أمام محل تجاري، يستوعب المكان أمامه لركنِ سيارة.. فشُتِمت... لأنها عفواً "تحمل رقم سيارة سورية"... تركت لُبنان الذي احتضنها وأضحكها، لكنَّ حضنهُ بارد، كما على أبنائه.

ومن بيروت، غادرت ميسة إلى اسطنبول، وتنقّلت بين أقاليم ومدن تركيا، تبحث عن إيواء، وعن عمل... وكما في لبنان كذلك في اسطنبول، تعمل ميسة الحافظ مع الأطفال السوريين، وتُغنّي لهُم، وتُعلّمهم الموسيقى... ثمَّ صارت تُعلِّم الأتراك، ومن كافة الجنسيات... لكن بين أُغنية "تك تك" للأطفال، و"لو لالي" للكبار... غنّت ميسة "يامو" لوالدتِها التي توفّت في ريف دمشق، بفعل انقطاع الدواء عنها، وهيَ مريضة سُكّري. ميسة بكت لأنها لم تَرَ أُمها المَيتة... لكنَّ بكاءها سرعان ما توقّف... واستمرت بالحياة.

تفرح، تُمازح مُتابعيها في فيسبوك... تلتقط صورة لشرفتها تقول "أنتظر طلابي، واليوم درس بيانو"! كل هذا لأنها تُحنّط لحظة بعدَ ألف وجع. ماذا لو بقت ميسة في دمشق؟ لا مكان للفن؟ فقط لصوت الحرب؟ وما هي التجارب التي تُحاك في سورية، وما هو جدواها؟ أين سورية، من الخارج، والتواصل مع كافة الأطياف، كافة الأصوات؟ وأينَ ريبال الخُضري؟ الذي غنّى مع بداية الحرب حينَ كانت (أزمة): "قال شو بدهُم حُريّة" ساخراً! حتى صارَ بعدَ ذلك ممن يُطالبونَ بالحُرية! بعد مقابلة إذاعية قالَ فيها ما لا يُعجب البعض في سورية. ريبال، قاطعهُ الأهل، وغنّى "يا بيتي اشتقتلك" صرخَ كثيراً. لكنهُ تنقّل من عمّان إلى أوروبا، وها هوَ يدور بأوركسترا "آرابيسكا" عالياً حولَ العالم... ونشرت إحدى الصفحات السورية، التي تُشجِّع المواهب السورية، فيديو لفرقة ريبال، تُغنّي وتعزف باحتراف وتفنن أُغنية "فطّومة" لـِ دُريد لحّام. جميع مَن ذكرناهم، يُغنّون بأكثر من لغة... جميعُهم يوصلون موسيقاهم... كما فعلَتا فايا وريحان يونان بأُغنية "لـِبلادي"...... لكنَّ تجربة الفنان السوري الشاب التي تُلامس الوجع، تختزن التجربة الحقيقية، تُضيف جديداً... تستحق كُل تقدير.

كذلك من "شُبّان سوريين" يُقدّمون كوميديا الواقع، عبرَ موقع فيسبوك. الأكثرية للأسف لم تُصب... وتنال سُخرية كبيرة واتهام باستغلال الحرب والأزمات السياسية، لافتعال الضحكات المُبالغ فيها والسُخرية، فقط للوصول. ولا أحد يُخفي صارت الحرب لدى البعض حجّة للظهور. لكنَّ الحرب تُخرج من رحمِها السوري الواسع... فنانين حقيقيين. أوركسترا... موسيقيون... مُغنّون أوبرا... هؤلاء، لو بقيوا في سورية، وأُتيحَ لهُم المجال لغرّدوا عالياً. الأزمة الإضافية تكمُن في التشرُّد والضياع، وعدم الإحتضان... وللأسف، فذريعة مَن يقول أنَّ الدولة أو المعارضة منشغلتان بالأزمة الحربية، فالرد، أنَّ مَن لا يهتم بالفن ساعة الحاجة إليه، كَي يجمَع، في الحرب... لن يحتضنهُ في السلم! والدولة السورية احتضنت الدراما السورية فقط وما تزال، لكنّ الشباب السوريين متّسعون لكثير من المواهب والمقدرات. هل تكون برامج الهواة المُتنفّس؟ هل كما وصلت فرقة "سما" في آرابس غوت تالنت، وترتريان في المرحلة الأولى، نرى ميسة الحافظ أو ريبال الخُضري السنة القادمة؟ هل ننحصر في برامج الهواة وفي مُتابعي مواقع التواصل الإجتماعي مع اتساع اهتماماتهم الأُخرى؟ هل (الحرب) التي أوصلت هؤلاء الفنانين للسفر، والرحيل والهروب... وللتحدّي! من أجل إخراج مزيد من الفن، تُبقيهم، مُشرّدي حرب؟ فناني حرب؟ وماذا لو الحرب استمرّت... ماذا يُقال بعد؟

تاريخ النشر : 2015-03-02

Read The Articles...